محمد أبو زهرة
3515
زهرة التفاسير
واعتدال النفوس وحالهم هي العدل والقسط ، ويقول البيضاوي في تفسيره بِالْقِسْطِ أي بعدله أو عدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم ، ونرى أن هذا كله تشمله كلمة ( القسط ) وليس ثمة ترديد بين واحد منها . وبعد أن ذكر سبحانه جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر جزاء الذين يكفرون فقال سبحانه : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ - ذكر القسط في جزاء الذين آمنوا على أنه مقابلة بين عمل صالح قويم مستقيم وجزاء عدل قويم ، وذكر ما يستحقه المنحرفون من غير أن يذكر ما يدل على أنه جزاء ، وذلك للدلالة على أن الجزاء مع عدله تفضل من اللّه ، وأن الكافرين حرموا من هذا الفضل ونالهم ما يستحقون ، ولبيان أن الرجوع إلى اللّه تعالى يقترن بالجزاء الذي هو عدل ، وأن الناس خلقوا ليقوموا بالإصلاح ، وإن الإعادة ليجازوا على هذا الإصلاح ، أما المنحرفون المفسدون فإنهم ينالون ما يستحقون بسبب انحرافهم عن الفطرة التي فطر عليها الناس . وابتدأ سبحانه بالجملة الاسمية وَالَّذِينَ كَفَرُوا وذلك فيه أمور ثلاثة مؤكدة لشدة العقاب : الأولى - الجملة الاسمية المؤكدة للحميم . الثانية - التعبير بالموصول الذي يعتبر أن الكفر علة الحكم . الثالثة - اللام في قوله تعالى : لَهُمْ شَرابٌ فإن اللام تفيد أنه أمر مختص بهم وليس لهم غيره . والحميم : الحار الشديد الذي يقطع الأمعاء ، فيقال : حممت الماء أي أحمه فهو حميم أي محموم ، بمعنى مفعول إذا كان حارا حرارة شديدة تزيد عما يطيقه الجسم ؛ ولذا قال اللّه تعالى : هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ( 57 ) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ ( 58 ) [ ص ] ، وقال : يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) [ الرحمن ] .